هولندا: تجربة للرعاية الصحية تضع القيم الإنسانية أولًا

عند تقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية كثيرًا ما يضطر المريض للتعامل مع مُمرض مختلف في كل مرة ما يُؤثر سلبًا على مستوى الرعاية. وحاولت مؤسسة هولندية تغيير طريقة تقديم الرعاية للمرضى وكبار السن بتأكيد أهمية التعاملات الإنسانية وتخفيف القيود الإدارية التي تحول دون تقديم خدمات مُرضية وتزيد التكاليف.

0
349

عند تقديم خدمات الرعاية الصحية المنزلية كثيرًا ما يضطر المريض للتعامل مع مُمرض مختلف في كل مرة ما يُؤثر سلبًا على مستوى الرعاية. وحاولت مؤسسة هولندية تغيير طريقة تقديم الرعاية للمرضى وكبار السن بتأكيد أهمية التعاملات الإنسانية وتخفيف القيود الإدارية التي تحول دون تقديم خدمات مُرضية وتزيد التكاليف.
ومنذ الثمانينيات سعت عدة حكومات إلى إصلاح نظم الرعاية الصحية المنزلية، لكن معظم المحاولات أخفقت في تحسين كفاءة الخدمات في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعارها. وفي هولندا وصف جوس دي بلوك، وهو مُمرض منزلي ذو خبرة واسعة، التعقيدات الإدارية عند تحديث نظام الرعاية المنزلية في عام 1993 بأنها كارثة للمُمرضين والمرضى على حدٍ سواء، ورأى أن مؤسسات الرعاية تعمل بطريقة أقرب إلى المصانع.
ولذلك أسس دي بلوك إلى جانب عدد من الممرضين مؤسسة “بورتزورج” (Buurtzorg) غير الهادفة للربح التي يعني اسمها “رعاية الجوار” سعيًا لما وصفه بتقديم رعاية لكبار السن على أساس من الثقة والتنظيم الذاتي.
وبدأت المؤسسة عملها في عام 2007 في مدينة ألميلو الهولندية بفريقٍ من أربع مُمرضين. وحققت نموًا مطردًا على مدار السنوات الماضية، وتُوظَّف في الوقت الراهن عشرة آلاف مُمرض ضمن 850 فريقًا للتمريض، يُمثلون نصف عدد العاملين في التمريض المجتمعي في هولندا أي خدمات التمريض التي تغطي المناطق السكنية، فضلًا عن أربعة آلاف عامل اجتماعي.
المحادثات قبل تقديم الرعاية
يتميز نهج “بورتزورج” باهتمامها أولًا بتوثيق العلاقات الإنسانية بين المرضى والمختصين بالتمريض. وغالبًا ما يحتاج كبار السن والمرضى الذين لا يستطيعون مغادرة منازلهم رعايةً صحية واجتماعية علاوةً على خدمات النظافة الشخصية، وبدلًا من تردد عدة أشخاص على كل مريض، يتولى مُمرض واحد تقديم مختلف أشكال الرعاية، ويستطيع قضاء ما شاء من الوقت مع المريض.
وينعكس هذا النهج في شعار المؤسسة وهو “الإنسانية أهم من البيروقراطية”. وتبدأ الزيارة الأولى بالتعرف على شخصية المريض عبر محادثات هادئة تكشف جوانب من شخصيته وحياته الاجتماعية وهواياته المُفضلة وأهدافه في الحياة.
وتسمح هذه المعلومات للممرضين بدمج أسرة المريض وأصدقائه من أجل مساعدته على استعادة عافيته وقدرته على الحركة المستقلة سريعًا، كما تُيسر عليهم انتقاء المداخل الملائمة للحوار والأنشطة الأفضل للمريض.
إدارة أبسط وأرباح أكثر
على الرغم من ارتفاع تكلفة عمال التمريض المُدربين أكثر من غيرهم من المختصين بتقديم الرعاية المنزلية، إلا أن تجربة مؤسسة “بورتزورج” بينت احتياج الممرضين إلى عدد أقل من الساعات لرعاية المرضى، الأمر الذي يُحقق وفرًا كبيرًا في التكاليف.
وساهم في هذا التوفير تقليص العمالة الإدارية؛ فيُدير شؤون المؤسسة دي بلوك وزوجته دون نظام إداري تقليدي. وتتولى فرق التمريض في كل منطقة سكنية تنظيم عملها، ويتراوح عدد كل منها بين عشرة واثني عشر مُمرضًا يتعاملون مع عددٍ يتراوح بين خمسين إلى ستين مريضًا.
وتُوظِّف “بورتزورج” خمسة وأربعين موظفًا فقط لتنظيم الرواتب والفواتير، وتستحوذ التكاليف الإدارية على 8% فقط من ميزانيتها مُقارنةً مع 25% تذهب للمصروفات الإدارية في مؤسسات الرعاية الأخرى.
وتعمل “بورتزورج” كمؤسسة اجتماعية لا تستهدف تحقيق الأرباح. ومع ذلك فإنها تُحقق ما يكفي لاكتفائها ذاتيًا وتُوجَّه فائض العائدات إلى التدريب وتنظيم الفاعليات الاجتماعية. وفي عام 2017 بلغت عائداتها 455 مليون دولار ووصلت خدماتها إلى مائة ألف مريض.
وحظيت تجربة “بورتزورج” بإعجاب وزارة الصحة والرفاهية والرياضة في هولندا؛ نظرًا لتغييرها أساليب الدفع مقابل الرعاية ففي السابق كان لزامًا إصدار فواتير منفصلة لنحو عشرين قسمًا من الرعاية مثل التنظيف والرعاية الطبية، بينما تُصدِر “بورتزورج” فاتورةً واحدة تُغطي ما يُسمى بالرعاية المجتمعية.
وخلصت دراسة أجرتها شركة “إرنست آند يونج” للخدمات المهنية في عام 2009 إلى أن رعاية المرضى المُتعاملين مع “بورتزورج” استغرقت وقتًا أقل، واستعادوا عافيتهم أسرع من غيرهم، كما لم يضطروا كثيرًا للدخول إلى المستشفيات في حالات الطوارئ ومكثوا فيها فترات أقل من غيرهم.
عقبات في الطريق
تُحاول “بورتزورج” دعم مشروعات تُحاكي نموذجها في أربعة وعشرين بلدًا، وتُوجد أكبر هذه المشروعات في شرق آسيا. وفي أوروبا تأسس فرعٌ لها في انجلترا وأيرلندا في مطلع عام 2017، ويُقدم استشارات ودعمًا لعشرين مؤسسة متخصصة في الرعاية المنزلية تُحاول تبني نموذجها.
وكانت الأنظمة الإدارية وليس العاملين في التمريض التحدي الأكبر أمام تحول المؤسسات في انجلترا، وهو الأمر الذي أكدته دراسة نُشرت في عام 2016، وقيّمت تجربة “بورتزورج” في إحدى الأحياء ذات الدخل المنخفض في لندن، وكشفت عن تفضيل كثير من المرضى لخدماتها.
وترى فيونا روس، أستاذة أبحاث الرعاية الصحية في “جامعة كينجستون” البريطانية وأحد مؤلفي الدراسة، أن نظام التمويل الصحي وسلوكيات بعض مديري الرعاية الصحية لكبار السن تُعيق انتشار نموذج “بورتزورج”؛ إذ يتردد البعض منهم في قبوله لأنه قد يُهدد وظائفهم.
أما في الولايات المتحدة، فتوقفت مبادرةٌ صغيرة في ولاية مينسوتا بعدما عجزت عن التوسع خلال خمسة أعوام وواجهت مشكلات مالية. وفي هولندا، البلد الذي شهد نشأة “بورتزورج”، فتُواجه مشكلة نقص عدد الممرضين المؤهلين، وهو ما تحاول تجاوزه من خلال برامج التدريب.
وأحدث النهج المُبتكَر لمؤسسة “بورتزورج” تغييرًا ثوريًا في الرعاية المنزلية في هولندا على مستوى رضا المرضى والعاملين في تقديم الرعاية بالإضافة إلى ترشيد التكاليف. ويرى أنصارها في أسلوبها فرصةً لاستعادة الوجه الإنساني لمهنة التمريض وإعادة الممرضين إلى مهمتهم المركزية مجددًا، وهي رعاية المرضى بعيدًا عن قيود البيروقراطية.