هل يستطيع الهولنديون إنقاذ الكوكب من الغرق؟

بعد ظهر يوم 31 كانون الثاني (يناير) من عام 1953، ارتفع البحر قبالة الساحل الهولندي كثيرا لدرجة أنه جذب المتفرجين

0
901

بعد ظهر يوم 31 كانون الثاني (يناير) من عام 1953، ارتفع البحر قبالة الساحل الهولندي كثيرا لدرجة أنه جذب المتفرجين. بعد الساعة السادسة مساء، حذرت الإذاعة الوطنية من “ارتفاع خطير لمنسوب المياه”. هذا تقريبا كان الإشعار الوحيد الذي صدر بهذا الشأن.
تم إرسال برقية من “خدمة التحذير بشأن العواصف والفيضانات” إلى 30 مسؤولا ومنظمة كانوا قد اهتموا بالاشتراك في الخدمة، لكن قلة منهم قرأتها في الوقت المحدد، كما يروي كيس سلاجر في كتابه التاريخي “الكارثة” De ramp.
في تلك الليلة، العاصفة الشمالية إلى شمالية غربية حطمت السدود في جنوب غربي هولندا. بيت فان دين أودين، البالغ من العمر 18 عاما في قرية أودي تونج، رأى المياه تندفع عبر صندوق الرسائل.
مع هروب العائلة إلى الطابق العلوي، تمكن من إنقاذ طقم أسنان والديه الزائف. لكن عند النظر من النافذة، كما تذكر لاحقا: “شعرت برعب شديد. الجانب الآخر من شارعنا اختفى! المنازل الصغيرة تحطمت جميعها”.
أضاف: “أسوأ لحظة كانت عندما رأيت منزل شقيقي الأكبر في آخر الشارع ينهار. في العلية، أخبرت والدي. وحدث شيء لم أره من قبل؛ بدأ والدي في البكاء”.
نحو عشر سكان قرية أودي تونج غرقوا في الفيضان: 305 أشخاص، بينهم 65 شخصا في شارع فان دين أودين، على الرغم من أن شقيقه نجا بأعجوبة. حي الطبقة العاملة المتهالك في القرية انهار بالكامل تقريبا.
قضى فان دين أودين الأيام التالية في استخراج جثث الجيران، كما يروي سلاجر.
قتلت الكارثة 1835 شخصا في هولندا، و307 أشخاص على الساحل الشرقي الإنجليزي. في غضون 18 يوما أنشأت الحكومة “لجنة الدلتا” لتقديم المشورة بشأن الوقاية من الفيضانات في المستقبل.
خلال الأعوام الـ45 التالية، أنفقت الدولة الدولارات في بناء “أعمال الدلتا”: وهي شبكة من السدود والحواجز والقنوات وحواجز العواصف التي لا تضاهى في جميع أنحاء العالم. على الرغم من أن معظم هولندا إما تحت مستوى البحر وإما عرضة لفيضانات الأنهار، إلا أن عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب الفيضانات منذ عام 1953 هو صفر.
كان الهولنديون قد ألقوا نظرة عامة على التاريخ. مع ارتفاع مستويات سطح البحر بشكل أسرع هذا القرن، مزيد من الأماكن على اليابسة ستغرق. المدن الساحلية، مثل نيويورك وشنغهاي وميامي وجاكارتا، ودلتا الأنهار، في بنجلادش وفيتنام، ستواجه معركة من أجل البقاء.
هل يستطيع الهولنديون – مع خبرتهم الطويلة في محاربة المياه – إنقاذ الكوكب؟ هل يمكنهم حتى إنقاذ أنفسهم؟ أم هل سيضطر أطفالنا إلى التخلي عن بعض الأماكن الأكثر كثافة سكانية في العالم؟
المؤلف الروماني بليني الأكبر، الذي قضى بعض الوقت في الدول المنخفضة في القرن الأول بعد الميلاد، وصف “أرضا يرثى لها تغرق مرتين في اليوم، بحيث يضطر السكان إلى العيش في أكواخ على ارتفاعات ذاتية الصنع، حيث يدفئون أطرافهم، التي تصلبت بسبب الرياح الشمالية، على نار من الطين المجفف”.
استغرق الأمر ما يقارب ألفي عام، لكن الهولنديين روضوا الماء. تم إنشاء مجالس المياه المحلية من القرن الـ13 للحفاظ على السدود. تعلم الهولنديون استصلاح الأراضي من المياه: ما يسمى الأراضي الواطئة، عادة أراض مسطحة، تحت مستوى البحر، تمت حمايتها بواسطة السدود.
كانت هناك كوارث – فيضان في عام 1421 ربما تسبب في مقتل آلاف الناس – لكن تدريجيا توصل الهولنديون إلى نظام تعاون عملي غير أيديولوجي لحماية أنفسهم. بعد كل شيء، سواء كنت من الكاثوليك أو البروتستانت، أو من البروتستانت الذين يحتقرون البروتستانت المنافسين، الجميع كانوا بحاجة إلى السدود.
نظام التعاون هذا أصبح معروفا باسم poldermodel. غالبا ما ينظر إليه اليوم أساسا لسياسة التحالف الأبدي الهولندية. في اللغة الهولندية الحديثة، أصبح الفعل polderen يعني “توحيد كل المجموعات للتوصل إلى حل وسط”.
القصة الأكثر شهرة حول الحماية من الفيضانات الهولندية ربما كانت مأخوذة من قصة فرنسية، ثم اشتهرت من قبل مؤلفة أمريكية. في عام 1865، ماري ميبس دودج، المؤلفة التي لم تزر هولندا قط، نشرت رواية الأطفال “الزلاجات الفضية” Hans Brinker، أو the Silver Skates. تضمنت قصة قصيرة وغير قابلة للتصديق بالكامل عن صبي هولندي بدون اسم ينقذ الدولة من خلال إغلاق منفذ أحد السدود بإصبعه.
أصبح الكتاب من الكتب الأكثر مبيعا، والصبي أسطورة دولية. لكن فكرة البطل الفرد هي أمريكية بشكل جوهري. بالنسبة للهولنديين، البطل هو دائما poldermodel.
منذ عام 1953، اتخذ الهولنديون موقفا يتمثل في عدم التسامح مع الفيضانات. “السلامة أولا”، كما يقول بيتر جلاس، مفوض دلتا، الذي يتمتع مكتبه في ناطحة سحاب في لاهاي (مثل كثير من المكاتب الهولندية) بإطلالة على البحر. “الدول الأخرى أفضل في مواجهة الكوارث – إعادة البناء!”.
يميل الهولنديون، الذين كانت لديهم طائرة مروحية واحدة فقط في عام 1953، إلى الإعجاب بالدول التي تنجح في إنقاذ الأشخاص المحاصرين على الأسطح أو إرسال الجنود بالطائرة لإزالة الأنقاض. بدلا من ذلك الهولنديون يعدون العدة ويتحسبون للمخاطر. بالنسبة لهم من المفترض أن يواجه كل ساكن خطر الغرق في فيضان احتمالات حدوثه واحدا من 100 ألف في كل عام.
كانت الوقاية الهولندية منذ فترة طويلة مصدر فخر كبير بين الجهات الرسمية. في عام 1986، عندما تم الانتهاء من سد شرق شيلدت ضد العواصف، كان فصل مدرستي في لايدن من بين كثير من الفصول التي خرج طلابها في حافلة من أجل نزهة مملة مجمدة لمشاهدة قطعة البنية التحتية العملاقة.
لكن يعيش الهولنديون معظم الوقت في تهاون سعيد بشأن خطر الفيضانات المحتمل. دفاعاتهم تعمل بشكل جيد، بسعر سنوي متواضع نسبيا، لدرجة أن معظم المواطنين نسوها تقريبا.
نشرت هولندا إنفاقها على الدفاعات ضد الفيضانات على مدى سبعة قرون. نحو نصف ميزانية صندوق الدلتا البالغ 1.1 مليار يورو لهذا العام سيستخدم للحماية ضد الماء. على الرغم من أن بعض السياسيين الهولنديين اليمينيين المتطرفين يشكون من “هستيريا المناخ”، إلا أن جلاس يقول: “لا بد أن أقول إن كل الاستثمارات قبلها البرلمان بالإجماع”.
مجالس المياه تستطيع أيضا زيادة الضرائب المحلية للاستثمار في الدفاعات ضد الفيضانات، بالتالي في المجموع، ينفق الهولنديون نحو مليار يورو كل عام، أو أكثر قليلا من 0.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على ما يطلقون عليه “تأمين الأقدام الجافة”. كثير من تلك الأموال، كما يقولون دائما للزوار الأجانب، يستخدم في الصيانة.
كل هذا هو أرخص من انتظار الكارثة ومن ثم إعادة البناء: تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كل دولار ينفق على الدفاعات ضد الفيضانات يحقق عوائد تراوح بين سبعة وعشرة دولارات. لكن بيانكا نيهوف، العضوة المنتدبة في شبكة شراكة المياه الهولندية، تقول: “طريقة التفكير المتقدمة والمتكاملة (لدى) هولندا هي أمر لا تراه في أي مكان آخر في جميع أنحاء العالم، ليس بهذا الحجم”.
في فترة ما بعد ظهر أحد الأيام، مارك والرافن، وهو مسؤول في وزارة إدارة البنية التحتية والمياه، أخذني بالسيارة لرؤية ما دعاه “الباب الأمامي لهولندا”: سد Maeslantkering، حاجز العواصف عند مصب النهر الذي يتدفق من روتردام إلى البحر.
نشأت في أرض منخفضة على بعد 25 ميلا شمالا، وكل شيء بدا مألوفا: القنوات، الأبقار، الرياح، الرذاذ. منطقة غرب هولندا هي أكثر المناطق كثافة سكانية في أوروبا، وفي حدود بضعة كيلو مترات مررنا بجانب توربينات الرياح (تقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون)، والدفيئات الزراعية التي يزرع فيها الطعام تحت مصابيح حرارية (تسبب انبعاثات)، وأخيرا، سد Maeslantkering (للحماية من آثارها).
ذهبنا إلى أحد السدود، مررنا بجانب عداء مبلل ووصلنا إلى بوابة مغلقة تحمل لافتة مكتوب عليها “ممنوع الدخول”. ذلك الموقع البعيد المهمل يضم قطعة فخمة من البنية التحتية التي تزورها باستمرار وفود أجنبية تبحث عن أنموذج. في مركز الزوار، كان اثنان من المسؤولين يعرضان بفخر على بعضهما بعضا مقاطع فيديو لأنفسهما مدبلجة للتلفزيون الإيطالي، كل منهما يتحدث عن البندقية المهددة من الفيضانات.
من الزوار الآخرين في الفترة الأخيرة كان جورج بريسكوت بوش، مفوض ولاية تكساس وابن أخ جورج بوش الابن، الذي يحاول إيجاد طريقة لحماية هيوستن دون إثارة غضب الرافضين المحليين لمشكلات المناخ. إنه في مهمة من القرن الـ21: حماية مصافي النفط في منطقته من تغير المناخ.
على الرغم من اكتمال سد Maeslantkering في عام 1997، إلا أن الزوار الأجانب غالبا ما يجدون أنه ذو تصميم مستقبلي. وهو يتألف من ذراعين معدنيتين، كل منها بحجم برج إيفل. إنه باب مفتوح: تبحر السفن عبره كل بضع دقائق، من وإلى روتردام.
يكون الحاجز مستعدا للإغلاق عندما يرتفع منسوب المياه ثلاثة أمتار. لم يتم الوصول إلى هذا المستوى منذ بنائه، على الرغم من أن والرافن يأمل أنه قد يكون كذلك في يوم ما. يعترف قائلا، “ليس قليلا فقط. هذا ما نفعل كل شيء من أجله”.
يقضي فريقه أيامهم في أعمال الصيانة والتدريب والتمرين، ويحملون أجهزة النداء من أجل اللحظة الكبيرة. يجب أن يغلق الباب مرة واحدة فقط في حياته ليستحق المال الذي أنفق عليه: أي فيضان يغلق ميناء أوروبا الأكثر ازدحاما، روتردام، قد يتسبب في أضرار تقدر بمئات المليارات من الدولارات، كما أخبرني أحد المسؤولين.
لكن منذ الانتهاء من سد Maeslantkering، غيرت هولندا المسار: تحولت من مكافحة المياه إلى تقديم تسوية هولندية للغاية معها. تحت شعار “مجال للنهر”، أنشأت البحيرات والحدائق وحتى مواقف السيارات مصممة لتغرق عند الضرورة لتحويل المياه عن الأماكن المأهولة بالسكان.
كلما تبدأ أي مدينة التفكير في حماية نفسها من الفيضانات، سيقول أحدهم: “استعينوا بالهولنديين”. يحتاج العالم إلى خبراتهم بشكل متزايد.
الجملة المعهودة هي أنه إذا التزمت الـدول باتفاقيات باريس، يمكننا الحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية أو إلى 2 درجة مئوية على الأكثر، ما يحافظ على الأرض صالحة للعيش. لكن الواقع الوحشي هو أنه لا توجد علامة على حدوث ذلك. لكي نكون على المسار المؤدي إلى الوفاء بالاتفاقيات، سنكون بحاجة إلى خفض انبعاثات الكربون العالمية إلى النصف بحلول عام 2030. في الواقع، الانبعاثات تسجل أرقاما قياسية جديدة كل عام.
كل بلد لديه حافز أناني ليواصل إصدار الانبعاثات، لأنه إذا خفض والدول الأخرى لم تفعل، فإن هذا سيلحق الضرر باقتصاده، بينما بالكاد يبطئ ذلك تغير المناخ. بيتري تالاس، الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، قال في كانون الثاني (يناير): “بحسب المسار الحالي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، نحن نتجه نحو زيادة في درجة الحرارة تراوح من ثلاث إلى خمس درجات مئوية بحلول نهاية القرن”.
السؤال الوحيد هو إلى أي مدى سترتفع البحار. الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة تتوقع ارتفاعا بمقدار 84 سنتمترا بحلول عام 2100 إذا استمرت الانبعاثات في الاتجاهات الحالية، وتضيف أن زيادة تتجاوز مترا واحدا ليست مستبعدة. لكن توقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ يغلب أن يتبين أنها متفائلة بشكل مفرط؛ عبارة “أسرع من المتوقع” تتخلل علوم المناخ الحديثة.
حسابات وكالة الأرصاد الجوية الهولندية، KNMI، تشير إلى أن مستويات البحر قد ترتفع بمقدار مترين بحلول عام 2100 حتى لو تم تحقيق أهداف باريس، وبمقدار ثلاثة أمتار إذا لم تتحقق. هذا يعني عالما جديدا، خاصة أن كثيرا من المدن الساحلية تنحسر فيها اليابسة – جاكارتا، بشكل مذهل، بمقدار عشرة سنتمترات كل عام في بعض الأماكن.
“هذا مستوى أكبر من ارتفاع مستوى سطح البحر اليوم”، كما يشير ستيفان أرنينكوف، من جامعة دلفت للتكنولوجيا، الذي تولى قسمه للهندسة الهيدروليكية ذي المستوى العالمي تدريب معظم قطاع الماء الهولندي. الروابط الوثيقة بين الخبراء في الحكومة والقطاع الخاص والجامعات غالبا ما تعود إلى أيام الدراسة الجامعية في دلفت.
هينك أوفينك، المبعوث الدولي للمياه في هولندا، يدرس خريطة لأكبر المدن في العالم، ويقول: “لدينا مشكلة حقيقية”. النقاط الزرقاء على الخريطة، التي تشير إلى المدن، تقع على الساحل بأغلبية ساحقة.
معظم الناس البالغ عددهم 1.1 مليار نسمة الذين يعيشون الآن في المناطق المعرضة للفيضانات مهددون من الأنهار وليس البحار، وذلك وفقا لوكالة التقييم البيئي الهولندية.
يهاجر مزيد من الناس نحو الخطر، إلى حد كبير لأن دلتا الأنهار والسواحل أماكن خصبة ومتصلة جيدا وجذابة للعيش فيها.
بحلول عام 2050، تتوقع الوكالة أن 70 في المائة من سكان العالم سيعيشون على 0.5 في المائة من مساحة اليابسة في العالم، كثير منها بجانب المياه. عادة، كما حدث في قرية أودي تونج في عام 1953، الأحياء الفقيرة تواجه الخطر الأكبر. الهند والصين وبنجلادش لديها عدد السكان الأكبر المهدد، لكن يوجد في الولايات المتحدة، أيضا، عدد من المدن المعرضة للخطر.
إلى جانب الحافز للاستمرار في إصدار الانبعاثات، كل دولة لديها حافز متناقض ظاهريا لكنه حافز وجودي لحماية نفسها من الفيضانات. كيف سيفعل ذلك؟
يضع جلاس مجلدين سميكين على طاولته: “خطة دلتا بنجلادش لعام 2100” Bangladesh Delta Plan 2100. مثل خطة دلتا في فيتنام، تم إعدادها مع نصائح هولندية. بنجلادش تشبه هولندا من دون الثروة والحوكمة القوية، ومن دون 40 عاما من الوقت الذي استغرقه الهولنديون لتنفيذ خطة دلتا الخاصة بهم. حتى مع التخطيط المسبق، ستكافح لإنقاذ نفسها.
الولايات المتحدة لديها الموارد اللازمة لحماية نفسها – إلى حد كبير، في الواقع، أكثر مما كان لدى هولندا في عام 1953. كما أن لديها الحاجة. منذ عام 2005، تشير التقديرات إلى أن الأعاصير والعواصف والفيضانات في نيو أورليانز وهيوستن وبورتوريكو ومنطقة نيويورك وحدها تسببت في مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص – أكثر من الذين لقوا حتفهم في هجمات 9/11 وما يقارب ضعف عدد القتلى الأمريكيين في أفغانستان منذ 2001.