لاجئون.. بين اعتبارات السياسة وقواعد القانون

0
124

بقلم المحامي حسان الاسود

صدر يوم الخميس في 2019-8-22 عن غرفة الجنايات في محكمة ولاية سكسونيا الألمانية حكمٌ نهائي بالسجن تسعة أعوام ونصف على الشاب السوري (ع.ش 23 عاماً) بعد أن تمّت إدانته بجرم القتل غير العمد للشابّ الألماني (دانيال هيليغ 34عاماً) في 26-8-2018 في مدينة كيمنتس. الحكم قابل للطعن أمام المحكمة الاتحاديّة العليا في كارلسروه وهي أعلى هيئة قضائيّة في ألمانيا فيما يتعلّق بالقضايا المدنية والجزائية.

قبل ذلك وفي 2019-2-13 صدر عن محكمة الجنايات التاسعة في مدينة أنطاليا التركية حكمٌ نهائي قابل للطعن بالنقض بالسجن تسعة وعشرين عاماً ونصف بحق الشاب التركي (ع.إ) بعد أن تمّت إدانته بجرم القتل العمد للشاب السوري محمد بشر والتسبب بالإيذاء لشقيقة ماجد ولشاب آخر اسمه محمد حيدر.

كان القانون موجوداً منذ آلاف السنين، ونعرف ذلك جيداً على الأقل منذ أن تمّ اكتشاف قانون حمّورابي الشهير، لكن لطالما كان حضور القانون وسيادته مرهونين بعوامل متعددّة عبر مسيرة التطوّر البشري، ولعلّ أبرز هذه العوامل الإرادة السياسية المُعبّر عنها بقرار الحاكم الفرد ملكاً، قيصراً، سلطاناً أو غيره قديماً، أو بقرار الحكومة الجماعية المشكلة من الأحزاب أو التحالفات الحزبية، أو حتى الحكّام الديكتاتورييّن حديثاً.

عندما بدأت الثورة السوريّة وبدأت إثرها عمليات الهروب من بطش النظام ولاحقاً التهجير المُمنهج، ظهرت إرادة دولية تسعى لحماية واستقبال هؤلاء الهاربين بشكل واضح لدى دول الجوار وخاصّة الأردن وتركيا. رحّبت حكومتا تلك الدولتين بداية بالوجود السوري، وتعامل معه المواطنون والمسؤولون على السواء بكثير من التعاطف والإنسانيّة، فقد أُقيمت مراكز اللجوء ويُسّرت لللاجئين مسائل الإقامة والانتقال والعمل والسفر بشكل واسعٍ نسبيّاً، كما كان الناس أفراداً ومنظّمات يبادرون لتقديم كلّ مساعدة ممكنة من خلال التبرعات العينيّة والنقديّة وغيرها من الخِدْمات.

بعد أن طالت الأزمة السوريّة وهزّت كيان الشرق الأوسط كلّه – كما هدّد بشّار الأسد منذ الأشهر الأولى من العام 2011 – بات السوريّون في وضعٍ لا يسرُّ صديقاً ولا عدّواً، فبدأت تتصاعد عمليات إغلاق الحدود بوجه الهاربين إلى أن أصبحت تُجابه محاولاتهم بالعبور تهريباً بإطلاق النار والقتل دون أدنى تردّد أو شفقة، ثم وُضعت القيود على سفر السورين من وإلى هذه الدول وتدرّجت ما بين تأشيرات الدخول (الفيزا) والموافقات الأمنيّة وأذونات الانتقال والسفر إلى تقييد الإقامة ومنع العمل أو تعقيد إجراءات إعطاء رُخص مزاولته.

لدى جميع دول العالم قوانينٌ تنظّم شؤون الحياة فيها، ومن بين هذه القوانين ما يُنظّم شؤون دخول البلاد والإقامة والعمل، ويحدثُ أن يتمّ في حالات الضرورة تجاوز بعض هذه القوانين، لكن لا يتمّ ذلك إلّا بموجب قرار سياسي أو إرادة عُليا من الحكومة أو رأس هرم السلطة السياسية كما حصل في تركيا عندما قرر الحزب الحاكم آنذاك استقبال السورييّن، وكذلك في ألمانيا عندما فتحت حدودها أمام موجات اللجوء الكبرى عام 2015 بقرار تاريخيّ اتخذته المستشارة أنجيلا ميركل التي أصبحت مقولتها”Wir schaffen das”  (سنُنجزُ ذلك، أو سننجحُ في ذلك) المقولة الأكثر تعبيراً في ألمانيا بل وفي أوروبا كلّها عن الحزم والإرادة والقدرة على مجابهة الصعاب واتخاذ القرارات الحاسمة عندما يخاف ويتردد الآخرون.

القرار السياسي المُعبّر بشكل أو بآخر عن المزاج الشعبي العام، هو الذي يُعطي الأثر الواضح ابتداءً في قضايا كبرى مثل قضايا اللجوء والتهجير مثل تلك التي أغرق بها نظاما بشار الأسد ونوري المالكي دول الجوار والقارّة الأوروبيّة. تأتي القوانين بعد ذلك لتنظّم شكل التعامل مع هذه القضايا، وكلّما كانت الدساتير – باعتبارها أسمى القوانين – راسخة ومحترمة، وكلّما كانت سيادةُ القانون ثابتة ومتينة، وكلّما كانت السلطة القضائيّة مستقلّة وحياديّة، كلّما كانت معالجة هذه القضايا أكثر ثباتاً واستقراراً وقُرباً من العدل وبالتالي من الرحمة والإنسانية.

من السهل مقاربة تغيّر الأمزجة الشعبيّة فيما يخصّ قضّية اللجوء السوري بين منتصف عام 2011 ونهاية عام 2019، ومن السهل تقفّي أثرها على مجتمعات دول الجوار ودول أوروباُ كما إنه من السهل الإشارة إلى استخدامات هذه القضيّة واستثماراتها سياسياً في هذه الدول. من السهل أيضاً قياسُ مدى ارتباط أو تبعيّة سلطات إنفاذ القانون (أجهزة الشرطة وبقيّة الأجهزة التنفيذية) والسلطات المخوّلة بالرقابة على حسن إنفاذه (السلطات القضائية) في دولة ما من خلال استقراء ومتابعة أشكال تعاملها مع مثل هذه القضايا.

واضحٌ من إيراد المثالين السابقين في بداية هذا المقال أنّ السلطات القضائيّة في كلّ من ألمانيا و تركيا تتمتّعان بقدر كبير من الاستقلالية والحياديّة إن لم نقل باستقلالية وحياديّة تامتين في هذا المجال على الأقل. بينما نجد اختلافاً كبيراً وبيّناً في أداء سلطات إنفاذ القانون في كلتا الدولتين. لقد بدا ذلك واضحاً من خلال التطبيق الفوري، الجائر والتعسّفي لقرارات ترحيل السوريين من اسطنبول، فقد تمّ ذلك دون إعطاء المشمولين بها أية فرصة لتوفيق أوضاعهم معها، إضافة إلى التجاوزات الكبيرة التي أدّت لارتكاب انتهاكات جسيمة بحقوقهم مثل الضرب والإهانة، وقد وصل بعضها لحدّ وفاة أشخاصٍ حاولوا العودة عبر الحدود إلى الأراضي التركية مثل حالة الشاب المرحوم هشام مصطفى المحمد.

على العكس من ذلك وجدنا سلوك سلطات إنفاذ القانون في ألمانيا على أعلى مستويات الانضباط والاحترافية في التعامل مع انتهاكات القانون المرتكبة من قبل اللاجئين أو مع الحوادث التي تعقب هذه الانتهاكات. المثال الأبرز الذي يمكن إيراده في هذا المجال تعامل الشرطة الألمانية وغيرها من السلطات التنفيذية مع المظاهرات العارمة وأحداث الشغب التي أثارها اليمين المتطرّف وأنصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) في مدينة كيمنيتس (Chemnitz) إثر جريمة القتل المذكورة أعلاه.

في تركيا، استخدمت أحزابُ المعارضة الخطاب الشوفيني المعادي للاجئين السوريّين، وعندما نجح مرشّحها في انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول أسرع في اتخاذ إجراءات عمليّة لتنفيذ تعهّداته الانتخابية، وقد سكتت الحكومة المركزية والائتلاف الحاكم عن هذه الإجراءات، كما لقيت بالمقابل استحساناً وتشجيعاً كبيراً من قبل بقية الأحزاب وجمهورها الشعبي وأغلب وسائل الإعلام. قلّةٌ لا تُذكر وغير مؤثرة أبداً من منظمات المجتمع المدني وبعض الأصوات الفردية وقفت في وجه هذا السلوك المتسرع والغير عادل.

في ألمانيا، استغلّت أحزاب اليمين واليمين المتطرّف أزمة اللجوء عموماً وجريمة كيمنتس لترفع من مستوى الشحن العنصري في خطابها، لكنّها جوبهت بمواقف حازمة من الائتلاف الحاكم أولاً ومن بقيّة أحزاب المعارضة ثانياً ومن منظمات المجتمع المدني ثالثاً، ومن الصحافة ووسائل الإعلام رابعاً. يكفي أن نذكر هنا أنّ رئيس الدولة فرانك فالتر شتاينماير والمستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل قد زارا هذه المدينة عدّة مرّات ليبيّنوا للناس أنّ هذه الجريمة مجرّد سلوك فردي مُدان لا يُمكن أن يؤخذ كمقياس عام لتقييم المهاجرين واللاجئين.

يمكن القول في النهاية، إنّ الإرادة السياسية المعبّرة بشكل أو بآخر في كلّ من ألمانيا وتركيا عن عموم الإرادة الشعبية هي التي تقرّر شكل التعامل مع هذه القضايا الكبرى، أمّا القانون فيأتي دوره في المقام الثاني بعد السياسة، ويبدو أنّ المجتمع التركي عموماً قد ضاق ذُرعا بالوجود السوري على أرضه، فهل سنشهد يوماً ما شيئاً مماثلاً في ألمانيا؟-

nc4sj.com : المصدر