غويانا الفرنسية.. إقليم أوروبي في أمريكا الجنوبية طريق جديد لطالبي اللجوء لدخول اوروبا

غويانا الفرنسية.. إقليم أوروبي في أمريكا الجنوبية طريق جديد لطالبي اللجوء لدخول اوروبا

0
316

ان ال برس – مهاجر نيوز : في رحلة غير اعتيادية إلى قارة يختلف مناخها كليا عن الشرق الأوسط، عبر شبان وعائلات وأطفال أغلبهم من السوريين “المحيطات والبحار”، ساعين للجوء إلى أوروبا. فكان إقليم غويانا الفرنسية في قارة أمريكا الجنوبية وجهة ومحطة إلزامية تسبق وصولهم إلى فرنسا، دولة باتت عاجزة عن الاستجابة لمن يريدون الوصول إليها أملا بمستقبل أفضل.

الحرارة تتجاوز الـ30 درجة والرطوبة العالية تمتزج مع أشعة الشمس الحارقة لتكون أول ما يستقبل الوافدين إلى مدينة كايين، عاصمة إقليم غويانا الفرنسية، “الجو حار هنا، والكثير من الأشياء تختلف عما اعتدنا عليه في سوريا”، يبتسم علي قبل أن يكمل، “الطبيعة جميلة والأشجار كثيرة لكن البحر هنا غريب، هو ليس صافي”.

هرب علي (24 عاما) من مدينته السلمية في ريف حماه عام 2017، بعد أن رفض تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية التي يفرضها النظام السوري على كل مواطن يتجاوز عمره 18 عاما. غادر بلاده متجها إلى بيروت، بعدما “هرب من الموت” حسب تعبيره، وبقي هناك لسنتين. في أثنائها، حاول الشاب العشريني جني بعض المال وبدء حياة جديدة، لكن خطته لم تسر على ما يرام.

يروي علي قصته لمهاجر نيوز، بينما يبحث عن ظلال شجرة تقيه من حر الشمس التي شابهت لون قميصه الأصفر “بحثت عن حلول كثيرة ونصب عليّ مهربون، وخسرت ما يقارب ألفي يورو ساعيا للهجرة إلى أوروبا من دون جدوى”.

عام 2019، قرر الشاب الذهاب إلى قارة تبعد آلاف الكيلومترات عن بلده الأم وعن وجهته النهائية على حد سواء. علم عبر الانترنت بوجود طريق إلى غويانا الفرنسية عبر البرازيل، وأن السفارة البرازيلية في بيروت تمنح تأشيرات إنسانية يمكن للسوريين التقديم عليها. وبالفعل وضب الشاب أغراضه وتوجه إلى مدينة ماكابا البرازيلية بعد أن حصل على تأشيرة دخول، وبعدها عبر خلسة نهر أويابوك الحدودي الذي يفضي إلى مدينة سان جورج الفرنسية في غويانا.

مضى أكثر من 10 أشهر على وجود الشاب السوري في غويانا الفرنسية، المقاطعة الأوروبية الوحيدة في أمريكا اللاتينية، والتي تعد بمثابة بطاقة دخول إلى أوروبا، عبر قارة أمريكا الجنوبية.

“سكن غير لائق”

بينما يكمل الشاب السوري حديثه أمام مركز إيواء “لافابريك” الذي يستقبل حاليا 36 شخصا أغلبهم من السوريين، يقترب المدير الإداري والمالي للصليب الأحمر الفرنسي في غويانا أوليفييه موريل، موضحا “كان لدينا 15 يوما للعثور على هذ المبنى وتجهيزه للترحيب بالناس وتركيب مرافق صحية، وما إلى ذلك”.

قبل أن تخصص الدولة هذا المركز، كان العشرات من طالبي اللجوء، بمن فيهم عائلات وأطفال، ينامون في خيام قرب شاطئ المدينة “Place des Amendiers” في ظروف سيئة للغاية، يزيد من وطأتها موقع الإقليم الاستوائي ذو الطقس الحار والماطر على مدار العام.

ولم يحصل طالبو اللجوء هناك على سكن إلا بعد الأزمة الصحية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، والتي أجبرت الدولة على افتتاح مركزي إيواء طارئين في مدينة كايين، في شباط/فبراير الماضي، تبلغ طاقتهما الاستيعابية 80 شخصا كحد أقصى.

أمام المبنى الصغير المؤلف من طابق واحد، يشرح موريل لمهاجرنيوز “في البداية، كانت المراكز مخصصة للعائلات، ولكن شيئا فشيئا، وجدت هذه العائلات سكنا في أماكن أخرى، وحاليا لا يوجد في مركز لافابريك سوى رجال عازبين”.

في صالة المبنى وُضعت حواجز لتشكيل 10 “صناديق”، بمثابة غرف تبلغ مساحتها 25 مترا تقريبا، مجهزة بخزانة ملابس، وطاولة، بالإضافة إلى أسرّة محاطة بناموسيات. يستوعب كل “صندوق” 4 أشخاص كحد أقصى. وإلى جانب المدخل المؤدي إلى الغرف، يوجد مطبخ مشترك وحمامات.

فيما تشتد أشعة الشمس، يجلس ميلاد (30 عاما) برفقة 3 شباب سوريين وآخر يمني حول طاولة ويحتسون الشاي، علّ الشراب الساخن يعدّل من حرارة أجسادهم، “الناموس والبعوض في كل مكان، كما أننا وجدنا أكثر من مرة جرذان تسرح في المركز. هذا ليس سكنا لائقا”. محمد اليمني ( 19 عاما) يوافق ميلاد بالرأي لكنه يرى أن هذا السكن “أفضل من البقاء في الشارع”.

الوضع الإداري لهذين الشابين غير واضح حاليا، فالسلطات الفرنسية رفضت طلب لجوء ميلاد، ولايزال ينتظر نتيجة الاستئناف أمام المحكمة ” كنت مجبرا على أداء الخدمة العسكرية الإلزامية في سوريا إلى أن تمكنت من الفرار والاختباء في محافظة السويداء. رفضت السلطات تصديق روايتي وها أنا اليوم أنتظر قرار الطعن”، يكمل ميلاد بحسرة وغضب “ما ذنبي؟ العودة إلى سوريا تعني حتما الموت”. أما بالنسبة للمحمد، فكان قد توجه إلى غويانا بعد فشل خطة الذهاب إلى إسبانيا عبر الإكوادور، قدم طلب اللجوء منذ أكثر من 8 أشهر، لكنه لم يحصل على رد بعد”لا أزال أنتظر قرار ملفي، قاموا بتأجيلي أكثر من مرة ولا أفهم السبب”.

لا مجال لزيادة أماكن الاستقبال

مركز الإيواء “لا فابريك” هو من ضمن خطة طوارئ السكن ومن غير المعروف إلى متى سيبقى مفتوحا، فالمركز الثاني الذي يستقبل حوالي 40 شخصا سيغلق نهائيا خلال الأسابيع القادمة. ولا توجد في غويانا الفرنسية مراكز استقبال للمهاجرين “كادا” كما في فرنسا. بل يوجد فقط سكن الطوارئ وبعض الشقق تحت إدارة الصليب الأحمر.

وردا على أسئلة مهاجرنيوز، أشارت محافظة غويانا إلى أنه “يتم إيواء طالبي اللجوء في شقق تابعة، لمساكن الطوارئ (HUDA)، والتي تبلغ سعة استقبالها 220 شخصا”. مضيفة، أن استقبال الأشخاص يكون وفقا “لعدد القادمين والأولويات”.

وفي نهاية آب/أغسطس الماضي، “تم استيعاب 413 شخصا في فنادق مؤقتة. وحاليا لا يزال يوجد 286 شخصا تحت رعايتنا”. وأوضحت السلطات المحلية أنها غير قادرة على زيادة عدد أماكن الإيواء والتي يبلغ مجموعها 606″.

نقص الاستجابة على هذا النحو يؤدي بطبيعة الحال إلى عدم إمكانية استقبال اللاجئين بشكل لائق، فرغم الأزمة الصحية المستمرة ومركزي الطوارئ، يتشرد حاليا حوالي مئة شخص على شاطئ مدينة كايين “Pointe Buzaré” أغلبهم كوبيون، ومن بينهم أيضا نحو 3 عائلات سورية مع أطفال.

كيف سأذهب إلى المدرسة ولا يوجد لدي ثياب كباقي الأطفال؟

الساعة الرابعة بعد الظهر ولا تزال أشعة الشمس الحارقة تضرب بقوة الخيم القماشية المتناثرة بين أشجار النخيل على قمة شاطئ كايين المطل على المحيط الأطلسي، الهدوء يعم المكان وتتعالى أصوات بعض الأطفال أحيانا لتكسر صمت المشهد.

لم تجد نسرين وباقي أفراد عائلتها ملاذا لهم في غويانا الفرنسية سوى هذا المخيم العشوائي حيث يعيش نحو 100 شخص، من دون أدنى وجود للمرافق الصحية أو لمياه الشرب حتى. وبينما تجلس الأم الأربعينية تحت خيمة قماشية مهترئة لا يوجد فيها حتى فراش، تتنهد قائلة “نقضي حاجتنا في الطبيعة ونستحم خلف صخرة، بمياه يجلبها لنا غالبا أحد سكان المدينة”.

يثير هذا الوضع غضب أُبَي، ابن نسرين، “لا تنفك أمي عن تكرار الجملة نفسها.. يجب عليك الذهاب إلى المدرسة. لكنني لا أرغب في ذلك وأنا أنام في هذه الخيمة! كيف سأذهب للدراسة ولا يوجد لدي مكان استحم فيه ولا توجد لدي ثياب كباقي الأطفال؟ أنا لا أملك شيئا هنا”، يقول بسخط جالسا فوق صخرة قريبة.

منذ بداية العام الحالي، “تجاوز اللاجئون السوريين وحدهم نظام الاستقبال”، أي أن أماكن الاستقبال المخصصة لجميع طالبي اللجوء في غويانا، لا تكفي حتى السوريين وحدهم.

خلال الربع الأول من العام الحالي، وصل حوالي 300 شخص سوري إلى إقليم غويانا. وأشار المدير الإقليمي للصليب الأحمر بينوا رينولت، إلى أن عدد طالبي اللجوء السوريين على نحو خاص، شكّل ما نسبته 10% من طالبي اللجوء في غويانا خلال العامين 2017 و2018، فيما تتراوح نسبتهم اليوم بين 30 إلى 40%.

خوف من مرحلة ما بعد فتح الحدود

أقاليم وراء البحار الفرنسية، هي “المناطق الوحيدة التي لا توجد فيها آلية منسقة لطالبي اللجوء”، وفق لوسي كوريه، مسؤولة إقليمية في جمعية “لا سيماد” التي استنكرت بشدة الوضع الراهن في إقليم غويانا.

وبالنظر إلى الوضع العام في غويانا، المستوى المعيشي للسكان ليس بأفضل حالاته، فنسبة البطالة تتجاوز الـ20%، وشهدت المنطقة أخيرا احتجاجات واسعة للتنديد بالظروف المعيشية وارتفاع معدلات الجريمة. وتضيف كوريه “يوجد في غويانا طلب قوي على الإسكان الاجتماعي. وتصر السلطات على عدم إنشاء مراكز استقبال للمهاجرين ‘كادا’، وكأنها بذلك تعلن عن رغبتها في عدم استقبال لاجئين”.

وبالمقارنة مع الأراضي الفرنسية في قارة أوروبا، قدمت باريس الدعم لحوالي 47% من طالبي اللجوء، في شهر شباط/فبرار الماضي، فيما لم تتجاوز تلك النسبة الـ10% في غويانا، وفق الجمعية غير الحكومية التي تقدم الدعم للاجئين.

مخاوف أخرى أعربت عنها المنظمات المحلية خلال المرحلة القادمة، لاسيما وأن الحدود بين البرازيل وغويانا الفرنسية لا تزال مغلقة، بسبب إجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا. وبالتالي فإن عددا قليلا جدا من المهاجرين يستطيع عبور الحدود.

لكن عند فتح الحدود “نخاف من قدوم موجة كبيرة”، وفق جمعية “لا سيماد” التي أشارت إلى أنها لا تستبعد وجود عشرات المهاجرين العالقين في منطقة أويابوك. وشارك موريل من الصليب الأحمر الجمعية مخاوفها قائلا “بلغنا قدرتنا الاستيعابية القصوى، وما إن تفتح الحدود، سنكون أمام مشكلة جمة”.

يمر الوقت ببطء..

يبقى الانتظار سيد الموقف بالنسبة إلى الكثيرين في غويانا. علي حصل أخيرا على حق اللجوء، لكنه اختار البقاء في غويانا لسبب وحيد هو جني بعض المال لشراء بطاقة طائرة والانتقال إلى باريس، فهو لا يرغب في البقاء هنا، “باريس أفضل من أجل مستقبلي ومن أجل الدراسة أيضا”.

وفي الأثناء، يعجن علي ويبيع “خبز التنور السوري” بأسعار رخيصة للمقيمين في المركز أو حتى “لبعض سكان المدينة الذين أبدوا إعجابهم بهذا الخبز”. ويضيف مبتسما “والدي كان فرّان في سوريا وتعلمت منه الكثير”.

Photo by Isabela Kronemberger